أبو سعد بن أبي علي كاتب بغدادي ( ابن الموصلايا )
386
رسائل أمين الدولة ابن الموصلايا
ذلك أدعى الأسباب إلى التّعويل عليه والتفويض إليه خاصّة مع خلوّ مدينة السلام ممن يوثق باعتماده ، ويسكن إلى هديه ورشاده ، وتعذّر وجود من يتحلّى بسمة الديانة والعفاف ، ويجاريه فيما تفرّد به من النزاهة الحالية الأجياد والأعطاف ، وتمادى الأمر بضعة عشر شهرا فيمن يرتّب للنظر ، ويستحقّ الوصول إلى هذه الرّتبة الجليلة المحل والخطر . ولقد ترادفت الرّغبات المشفوعة بالبذول السّنيّة ، واتّصلت المسائل المقرونة بالوسائل القوية ، فلم ير الالتفات ( 152 أ ) إلى ذلك ، والإصغاء إلى شيء منه إشفاقا من أن يمتزج بخدمة أمير المؤمنين من تتطرّق عليهم التّهم وتتوجّه نحوه الظّنون والرّيب ، واختير المشار إليه من بين الجماعة الذين لم يكونوا لما حدّثتهم به أنفسهم أهلا ، ولا استوطنوا في الفضل محلّا ، إذ كان هذا المنصب غير مبذول لكلّ طالب ولا مسموح به لكلّ راغب ، وليس من أكفائه إلّا من تقدّمت في الكمال قدمه ، واتضحت مع الأيام سجاياه وشيمه ، وغدا متّزرا في أصناف الكفاية والشّهامة ، ومتكفّلا بإجراء الأمور التي تستند إليه على أوفى السّداد والاستقامة . ولقد روي أن الخراج على عهد كسرى نقص عن المبلغ الذي كان يحصّل منه كلّ عام ، فاجتهد في علم ذاك ، فلم يقف عليه ، وقال : عدل وأمن واستقامة سرب ، ما يجوز أن يكون ما عرض لغير موجب ، فلم يزل يصل الكشف ويتابع البحث إلى أن أشعر بأن وضيعا رفع فوق منزلته ، ورفيعا حطّ إلى دون طبقته ، فأعاد ( 152 ب ) كلّا منهما إلى حدّه ، فاستقام النظام ، وعاد الخراج إلى قانونه المعتاد ، والذي فعل فهو بحسب الاضطرار ، ولعدم الكفاة في سائر الأقطار . ومع ذاك فطريقة هذا المختار للخدمة مأمونة والعهدة فيما وكّل إلى وافي أمانته مضمونة ، وهو بريء من كلّ شبهة وظنّة ، ومستحقّ حباه بأجزل عارفة ومنّة . وكان وصول مطالعة ركن الدين - أمتع الله به - في بابه ، وقد انفصل عن واسط إلى مدينة السلام ، ولم يبق له عذر في التّلوّم والمقام ، فاقتضت الحال إتمام العزيمة في اجتنائه واستخلاصه ، واعتماده بصنوف الإحسان واختصاصه ، فظهر من حسن أثره واجتهاده في تصديق خيره لخبره ما دلّ على اضطلاعه بأعباء الخدمة ونهوضه ، واستقلاله بلوازم الاصطناع وفروضه ، وأبان عما حازه من محمدة تروق ،